القاضي عبد الجبار الهمذاني

178

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له : إن ظهور القرآن عند ادّعائه النبوّة من قبله هو الدال ؛ وهذا كما تقول : إن الفعل هو الدال على حال الفاعل « 1 » ؛ لكنه إنما يدل لتعلقه به ؛ فكذلك القرآن ، لأنه قرآن يكون له تعلق به وبدعواه ، ولا يكون كذلك إلا بظهور من قبله ، أو من قبل الملك ، أو بأن يحدث على حدّ الابتداء ، وإن كان ذلك لا يعلم من حاله إلا بعد الاستدلال به على نبوّته ؛ فيعلم من بعد أنه تعالى أحدثه ؛ ولم يكن من قبل حادثا ، أو أنه صلى اللّه عليه ، أحدثه بأن مكن من علوم خارجة ، عن عادة العرب ؛ وعلى كل حال فتقدم وجوده لا يمنع « 2 » من صحة كونه دالا ، كما أن تقدّم الإقدار على نقل الجبال ، وقلب المدن لا يمنع عند ظهور ذلك ، من قبل المدّعى للنبوّة ، من كونه دالا ، وإن كان قد تقدّم وجوده ؛ وهذا بيّن ، أنه تعالى إذا فعل زيادة القدر لهذا الوجه ، ثم ظهر بالفعل ، عند ادّعاء النبوّة فكأنه فعله في الحال ؛ فكذلك لا فرق بين أن يقدّم إحداث القرآن ، أو يحدثه في حال ادّعائه للنبوّة ، في الوجه الّذي ذكرنا ، فكأن دلالته لا تتكامل إلا بظهوره عند ادّعاء النبوّة ؛ كما أن دلالة زيادة القدر لا تتكامل إلا بظهور الفعل ؛ فلا فرق بين أن يفعل تعالى عند الدعوة نفس الدلالة ، وبين أن يقدّمها لهذا الغرض ، وتتكامل في هذه الحال ، في أن دلالته لا تتغير ؛ فإن أراد مريد بعد ذلك أن يقول : إن الّذي يدل على النبوّة القرآن من حيث ظهر على الرسول ، عليه السلام ، أو قال : يدل من حيث اختص بالعلم العظيم به ؛ أو قال : يدل من حيث أنزله الملك ، فلذلك لا يخرج القرآن من أن يكون دليلا ، وإن جوّز في وجه دلالته ، على واحد من الوجوه التي ذكرناها ؛ لأن ما حل هذا المحل لا يؤثر

--> ( 1 ) ساقطة من « ص » . ( 2 ) في « ص » لا يعلم وفي « ط » مشتبهة يرجح من رسمها أنها « يمنع » ؛ ولعلها الأشبه .